محمود محمود الغراب
133
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحب موافق لمحاب محبوبه : هذا ما يكون إلا من نعوت المحبين للّه خاصة ، لكونه تعالى لا يحدّ ولا يتقيد ، وهو المتجلي في الاسم القريب ، كما يتجلى في الاسم البعيد ، فهو البعيد القريب ، قال المحب : « وكل ما يفعل المحبوب محبوب » فإذا فعل البعد ، كان محبوبه البعد عن المحبوب ، لأنه محبوب المحبوب ، فإنه أحبه لحب المحبوب لا بنفسه ، ولا يحبه بحب المحبوب لا بنفسه ، حتى يكون المحبوب صفة له ، وإذا كان المحبوب من صفات المحب قام به ، وإذا قام به فهو في غاية الوصلة ، في عين البعد أوصل منه به في القرب ، لأنه في القرب بصفة نفسه لا بصفة محبوبه ، لأنه لا يقوم بالمحل علتان لمعلول واحد ، هذا لا يصح ، فما يحب القرب إلا لنفسه ، كما لا يحب البعد إلا بمحبوبه ، فهو في حب البعد أتم محبة منه في حب القرب ، ولنا في هذا المعنى : هوى بين الملاحة والجمال * يقاسيه القوي من الرجال ويضعف عنه كل ضعيف قلب * تقلب في النعيم وفي الدلال وتقليبي مع الهجران عندي * ألذ من العناق مع الوصال فإني في الوصال عبيد نفسي * وفي الهجران عبد للموالي وشغلي بالحبيب بكل وجه * أحب إليّ من شغلي بحالي ففي هذا الشعر إيثار ما آثره المحبوب ، ويتضمن ما أشرنا إليه في كلامنا قبله ، وأما قولنا : « إن المحبوب صفة المحب » فيما ذكرناه ، فهو قوله تعالى : فإذا أحببته كنت سمعه وبصره فجعل عينه سمع العبد وبصره ، فأثبت أنه صفته ، فما أحب المحب البعد إلا بمحبوبه ، وهذا غاية الوصلة في عين البعد ، فالمحب للّه من عباد اللّه ، هو المنقطع إلى اللّه ، المؤثر جناب اللّه ، الساعي في محاب اللّه ومراضيه ، والأحباب أرباب ، والمحبوب خلف الباب ، المحب رب دعوى ، فهو صاحب بلوى ، لولا دعوى المحبة ما وقع التكليف ، ولولا المحبة ما طلبنا الجزاء من اللطيف ، المحبوب إن شاء وصل وإن شاء هجر ، فإذا ادعى محبة محبّه اختبر ، فالمحب في الاختبار ، والحبيب مصان عن الأغيار ، ولهذا لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار . ( ف ح 2 / 352 ، 525 - ح 4 / 367 )